الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

12

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 2 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 2 ] وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً ( 2 ) مناسبة عطف الأمر على ما قبله أنّه من فروع تقوى اللّه في حقوق الأرحام ، لأنّ المتصرّفين في أموال اليتامى في غالب الأحوال هم أهل قرابتهم ، أو من فروع تقوى اللّه الذي يتساءلون به وبالأرحام فيجعلون للأرحام من الحظّ ما جعلهم يقسمون بها كما يقسمون باللّه . وشيء هذا شأنه حقيق بأن تراعى أواصره ووشائجه وهم لم يرقبوا ذلك . وهذا ممّا أشار إليه قوله تعالى : وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً . . . [ النساء : 1 ] . والإيتاء حقيقته الدفع والإعطاء الحسي ، ويطلق على تخصيص الشيء بالشيء وجعله حقّا له ، مثل إطلاق الإعطاء في قوله تعالى : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [ الكوثر : 1 ] وفي الحديث : « رجل آتاه اللّه مالا فسلطه على هلكته في الحقّ ورجل آتاه اللّه الحكمة فهو يقضي بها » . واليتامى جمع يتيم وجمع يتيمة ، فإذا جمعت به يتيمة فهو فعائل أصله يتائم ، فوقع فيه قلب مكانيّ فقالوا يتامئ ثم خفّفوا الهمزة فصارت ألفا وحرّكت الميم بالفتح ، وإذا جمع به يتيم فهو إمّا جمع الجمع بأن جمع أوّلا على يتمى ، كما قالوا : أسير وأسرى ، ثم جمع على يتامى مثل أسارى بفتح الهمزة ، أو جمع فعيل على فعائل لكونه صار اسما مثل أفيل وأفائل ، ثم صنع به من القلب ما ذكرناه آنفا . وقد نطقت العرب بجمع يتيمة على يتائم ، وبجمع فعيل على فعائل في قول بشر النجدي : أأطلال حسن في البراق اليتائم * سلام على أطلالكنّ القدائم واشتقاق اليتيم من الانفراد ، ومنه الدرّة اليتيمة أي المنفردة بالحسن ، وفعله من باب ضرب وهو قاصر ، وأطلقه العرب على من فقد أبوه في حال صغره كأنّه بقي منفردا لا يجد من يدفع عنه ، ولم يعتدّ العرب بفقد الأمّ في إطلاق وصف اليتيم إذ لا يعدم الولد كافلة ، ولكنّه يعدم بفقد أبيه من يدافع عنه وينفقه . وقد ظهر ممّا راعوه في الاشتقاق أنّ الذي يبلغ مبلغ الرجال لا يستحقّ أن يسمّى يتيما إذ قد بلغ مبلغ الدفع عن نفسه ، وذلك هو إطلاق الشريعة لاسم اليتيم ، والأصل عدم النقل . وقيل : هو في اللغة من فقد أبوه ، ولو كان كبيرا ، أو كان صغيرا وكبر ، ولا أحسب هذا الإطلاق صحيحا . وقد أريد باليتامى هنا ما يشمل الذكور والإناث وغلب في ضمير